يعد الفنان الأمركي ” آندي وارهول – Andy Warhol ” من أشهر فناني الولايات المتحدة للنصف الثاني من القرن 20.

ولد اندي وارهول في 6 أغسطس 1928 في شقة صغيرة تشبه الكوخ بشارع 73 حي سوهو للطبقة العاملة في بيتسبرغ، ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة لأبوين مهاجرين من ما يُعرف اليوم بـ سلوفاكيا. ولم يكن يتوفر على أي نوع من التعليم. لكنه كان فنانا على طريقته الخاصة. كانت أمه تتابعه وتهتم به. وقد عاش إلى جوارها معظم حياته وكان يشاطرها حبها الشديد للقطط.

وفي ما بعد درس في مدرسة الفنون الجميلة التابعة لمعهد كارنيغي. وتخرج من المعهد وعمره عشرون عاما. ثم ذهب إلى نيويورك حيث عمل رساما في مجلات مثل فوغ وهاربرز بازار. وأولى أعماله المعروفة ظهرت في أغسطس عام 1949 حينما طلب منه تصوير مقالة لمجلة غلامور. وفي العام 1950 أصبح واحدا من أنجح التشكيليين في الولايات المتحدة، وحاز على العديد من الجوائز على أعماله منها جائزة نادي الفنون والمعهد الأمريكي للفنون التصويرية، حيث أشتهر الفنان بإستخدام الأعمال التجارية القائمة على التصوير الفوتوغرافي في تجسيد الكثير من أعماله.

في العام 1964، دخلت امرأة إلى محترف وارهول في مانهاتن والمسمى “المصنع”، وصوبت مسدسا إلى رأسه. وأثناء محاولته تفادي الهجوم، طاشت رصاصة المسدس لتخترق أربع لوحات من مجموعته عن مارلين مونرو كانت مكدسة على أرضية الغرفة. ولم تكن “مارلين الفيروزية” من بين تلك اللوحات الأربع التي أصبحت تُسمى “اللوحات المصوبة”. وقد تم إصلاح الضرر الذي لحق باللوحات وهي الآن بحالة جيدة في إحدى المجموعات الفنية الخاصة.

سافر وارهول في عام 1956 الى العديد من الدول في أنحاء متفرقة من العالم، منها آسيا وأوروبا، وفي أواخر عام 1950 كرس حياته وطاقته للعمل في مجال الفن التشكيلي، وقام بأول أعماله الشعبية القائمة على الكوميديا والإعلانات التجارية وبعد سلسلة من الأعمال، رسم لوحته المشهورة (حساء كامبل) عام 1962، وأثار بها ضجة كبيرة في عالم الفن ، وبدأ وارهول الدخول بهذه اللوحة الى عالم المشاهير، كما أظهر وارهول مواهب أخرى قبل وقت من وفاته في مجالات عدة مثل السينما والنشر والكتابة والتلفزيون والموسيقى ، وكان واحدا من أكثر الفنانين الذين شهدهم العالم غزارة ومعرفة.

عاش وارهول مولع بالوجوه الهوليودية طيلة حياته، حيث رسم عام 1962 سلسلة كبيرة من صور المشاهير كمارلين مونرو والفيس بريسلي ، و أنجز 12 بورتريهاً للممثلة إليزابيث تايلور، الملقبة بـ ” قطة هوليوود المدللة “، وصرّح حينذاك قائلاً: ” بدأت في تنفيذ هذه الأعمال الفنية منذ مدة زمنية طويلة حينما كانت تايلور مريضة، وحينها قال الجميع إنها سوف تموت “. وأضاف: ” أنجزتُ هذه اللوحات كلّها بعد ما أضَفتُ إليها ألواناً برّاقة على شفتيها وعينيها ” ثم أنتقل الى سلسلة مايسمى ب “الموت والكوارث” في هذا الوقت رسم لوحات صور الكراسي الكهربائية ، والانتحار ، وحوادث السيارات.

و في عام 1963 دخل وارهول عالم السينما، فخلق الكثير من كلاسيكيات السينما الطلائعية، وعلى مدى خمس سنوات أنتج ما يقارب 60فلماً منها: النوم (1963) ، والإمبراطورية (1963) ، كيس (1963-64) ، وتشلسي والفتيات (1966).

في معرضه (لوحات من الزهور) في باريس في عام 1965 ، أعلن انه سيعتزل الفن التشكيلي لمتابعة صناعة الأفلام ، ومع ذلك ، عاد الى الرسم مرة أخرى في عام 1966.

وفي 3 يونيو 1968، دخل عليه رجل يدعى فاليري سولاناس ،وكان هذا قد ظهر في فيلم لوارهول أسمه الرجل (1967) ، وعندما دخل وارهول الإستوديو أطلق عليه النار وأصابه في صدره بإصابة شبه قاتلة.

أسلوب اندي وارهول ولوحاته ذات الألوان الثقيلة والجامحة وطبيعة فهمه لوظيفة الفن كانت تشكل تحديا للمشهد الفني المعاصر في ستينات القرن الماضي. وقد اشتهر بعبارته المستفزة التي تقول إن التجارة الجيدة هي الفن الأفضل”. وعندما رسم صور مارلين مونرو كان قد أصبح رمزا ثقافيا مهما. وقد اشتهر بتعليقاته وآرائه عن المجتمعات المعاصرة، خاصة الإعلام الجماهيري.

في العام 2007، اشترى لوحة “مارلين الفيروزية” جامع التحف الأمريكي ستيف كوهين بمبلغ ثمانين مليون دولار. وكانت لوحة أخرى لـ وارهول بعنوان “سيارة خضراء محترقة” قد بيعت قبل ذلك بمبلغ اثنين وسبعين مليون دولار.

والحقيقة انه ما من رسام ارتبط اسمه بالفن الشعبي أو “البوب آرت” مثل وارهول. وهو أول رسام تمكن من إزالة الفوارق بين الفنون التشكيلية والفنون التجارية التي تُستخدم في الرسوم التوضيحية للمجلات والكتب الهزلية وألبومات الموسيقى والحملات الإعلانية والدعائية.

كان وارهول يستخف بوجهة النظر التقليدية حول ما يمكن أن يُعتبر مواضيع مناسبة في الفن. ولعل ابلغ ما يلخص فلسفته الفنية هو قوله: لو فكر الإنسان ملياً، فسيكتشف أن ثمة أوجه شبه كبيرة بين مراكز التسوق أو المحلات التجارية الكبيرة والمتاحف”. كان وارهول ينتزع الصورة من سياقها ويجردها من المعنى، بحيث يسمح للمتلقي بأن يعيد التفكير في رموزها ودلالاتها.

بعض النقاد يأخذون على لوحاته طابعها الميكانيكي الذي لا يذكر بالرسم. وبعضهم يسمون فنه “اللا فن”. ومع ذلك أصبح وارهول أيقونة لعصره. كان شخصا موهوبا ومتعدد الاهتمامات. فإلى جانب الرسم، عمل الفنان في صناعة الأفلام والنشر وفي التصوير الفوتوغرافي. كما كان أيضا رجل أعمال ومعلقا اجتماعيا بارزا.
في مطلع الستينات أسس وارهول محترفه الذي اسماه “المصنع”، وكرسه لإنتاج كميات كبيرة من الطبعات والصور والبوسترات التي كان يرسمها. ثم أعلن انه لن يعتمد في الإنتاج على ما يصنعه بيده بل سيترك تلك المهمة للآلات والمكائن، وبذا فجر ثورة في الفن وأصبح عمله رائجا جدا ومثيرا للجدل بنفس الوقت.
اللوحات التي رسمها وارهول لـ مارلين مونرو لم تقنع الكثيرين بأن هذه هي صورة النجمة فعلا. وهذا بدوره أفسح المجال للكثير من النظريات النفسية التي تحدث بعضها عن قلق الخصي السيكولوجي عند الرسام وفقدانه للقوة الذكورية.

ومهما يكن من أمر، فإن مما لا يمكن نكرانه أن اندي وارهول كان احد الرسامين الأكثر تميزا ونفوذا في القرن العشرين. أثناء حياته، كان إنسانا متواضعا وخجولا. وكان مدمنا على العمل ليلا ونهارا على الرغم من مرضه. فقد كان يعاني من متلازمة أعراض سايدمان، وهو مرض يصيب الشخص في طفولته. ومن أعراضه قلة انتظام الحركة والتعب الجسدي والمعاناة من آلام الروماتيزم المزمنة.

الجانب المظلم من اندي وارهول هو سلسلة لوحاته بعنوان “الموت والكارثة”. وقد رسم تلك اللوحات في فترة عانى خلالها من بعض المآسي الشخصية، مثل حادث سيارة نجا منه بأعجوبة ومحاولته الفاشلة الانتحار.

يبقى اندي وارهول الوحيد الذي الذي سخر إمكانية العالم الإستهلاكي وحرره من عقد التكرار والملل، حين أعاد صياغته وتكريره في قوالب غير تقليدية، وقد تكون كذلك إلا أنه عمل على خلق قراءات جديدة لمفردات بالية، فهو وإن سخر في فنّه من ” الأيقونات العصرية “، تحولت لوحاته أيقونات ايضاً في العالم، وبات فنه ايماء بمستقبل اللون واللوحة والملصق.

توفي اندي وارهول في مدينة نيويورك في فبراير عام 1987م إثر إصابته بأزمة قلبية بعد أن عانى من مضاعفات عملية سبق وأن خضع لها في المثانة. وقد وُضع جثمانه في تابوت مطلي بالذهب، ودُفن ببدلته الكشمير السوداء ونظاراته الشمسية وباروكته الفضية الشهيرة، بالإضافة إلى زجاجة من عطره المفضل.
وفي عام 1988 أقيم أول مزاد علني لأعماله أستغرق عشرة أيام حاز أعمالا وتحف فنية هائلة، جمعت من خلاله مؤسسة لارهول للفنون البصرية أكثر من 20مليون دولار، وفي عام 1989أعلن في بيتسبرغ عن إفتتاح متحف خاص بأعمال أرهول.

من أعماله المشهورة صورة لعلبة حساء الطماطم ” Campbell’s “، ولوحات لعلب الكولا، ولوحات للممثلة مارلين مونرو. من بين أعماله الفيلمية: “The Chelsea Girls” (عام 1966)، و”Trash” (عام 1971)، و”L’Amour” (عام 1973). مع بول موريسي صنع أيضاً عدة أفلام أخرى: “Frankenstein” و”Dracula” (كلاهما في 1974).
Andy-Warhol2