لطالما ارتبطت “الفخامة المطلقة” في مخيلة المسافرين بالصورة النمطية في الإضاءة التي لا تنطفئ، المسابح العملاقة المتداخلة مع الشواطئ، والمباني الخرسانية الشاهقة التي تفرض حضورها على حساب الطبيعة. لكن في قلب الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية، وتحديداً في “وجهة البحر الأحمر”، هناك مبادرة هادئة تجري لتغيير هذه المفاهيم برمتها. هنا، تلتقي العمارة المستدامة بـ “رتبة الـ 7 نجوم”، ليثبت المشروع للعالم أن الرفاهية الحقيقية هي صديقة للبيئة وتندمج معها بالكامل.
العمارة المستدامة: التصميم الذي “يستأذن” الطبيعة
حين تتأمل منتجعات وجهة البحر الأحمر، مثل منتجع “سيكس سينسز البحر الأحمر” أو “سانت ريجيس البحر الأحمر”، تكتشف أن المباني لم تُبنَ فوق الأرض، بل نبتت منها. اعتمدت التصاميم المعمارية العالمية في الوجهة على محاكاة الكثبان الرملية المحيطة والشعاب المرجانية الفريدة.
المواد المستخدمة في البناء ليست مجرد خامات فاخرة، بل هي صديقة للبيئة بامتياز؛ تم اختيار الأخشاب المستدامة والأحجار المحلية التي تمتص الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة. العمارة هنا لا تفرض نفسها على المشهد، بل تنحني انحناءة احترام لطبيعة الجزيرة العذراء، مع الحفاظ على مسافات مدروسة تضمن عدم المساس بحياة الكائنات الفطرية أو السلاحف صقرية المنقار المهددة بالانقراض.
رتبة الـ 7 نجوم.. فخامة بلا أثر كربوني
تتجاوز الخدمة والرفاهية هنا المعايير التقليدية للفنادق فئة الخمس نجوم لتلامس آفاقاً جديدة، لكن الفارق يكمن في “الوعي البيئي” الذي يغلف كل تفصيل:
طاقة شمسية كاملة:
الوجهة بأكملها، بما فيها الفنادق الفاخرة والمرافق، تعمل بالطاقة المتجددة بنسبة 100% على مدار الساعة، مدعومة بأكبر حزمة بطاريات تخزين في العالم.
صفر نفايات بلاستيكية:
لن تجد زجاجة بلاستيكية واحدة تستخدم لمرة واحدة؛ حيث تمتلك الوجهة محطات خاصة لإعادة تدوير المياه وتعبئتها في زجاجات قابلة لإعادة الاستخدام.
إضاءة صديقة للشبابيك المظلمة:
تم تصميم الإضاءة الخارجية للمنتجعات بدقة فائقة لمنع التلوث الضوئي، مما يتيح للضيوف الاستمتاع بسماء مرصعة بالنجوم كأنهم في مرصد فلكي طبيعي، وهو ما يحمي أيضاً الطيور المهاجرة والحياة الفطرية ليلاً.
مفهوم جديد:
“الرفاهية في البحر الأحمر لم تعد تعني ماذا تستهلك، بل كيف تحافظ على المكان الذي تستهلكه. إنها سياحة تجعلك تغادر المكان وتترك خلفك أثراً إيجابياً، لا بصمة كربونية.”
الرفاهية التجددية: أبعد من مجرد “الحفاظ”
ما يميز البحر الأحمر عن أي وجهة بيئية أخرى في العالم هو انتقالها من مفهوم “السياحة المستدامة” (Sustainable Tourism) إلى “السياحة التجددية” (Regenerative Tourism). الفنادق هنا لا تسعى فقط لمنع الضرر، بل تساهم بنشاط في تحسين البيئة؛ من خلال دعم مشاتل أشجار المانغروف (التي تم زراعة الملايين منها لحبس الكربون) وتنمية المستعمرات المرجانية.
عندما يقيم الضيف في أحد الأجنحة العائمة، فإنه لا يستمتع بخصوصية مطلقة وإطلالة بانورامية ساحرة على المياه الفيروزية فحسب، بل يدرك أيضاً أن كل قطرة ماء يستحم بها، وكل كيلوات طاقة يستهلكه، وكل وجبة “من المزرعة إلى الطاولة” يتناولها، قد عولجت وصُممت بأعلى معايير الحفاظ البيئي في تاريخ الضيافة العالمية.
إن وجهة البحر الأحمر تقدم اليوم دليلاً حياً لقطاع السياحة العالمي: الفخامة والمسؤولية البيئية خطان متوازيان يمكنهما الالتقاء وصناعة تجربة استثنائية لا تُنسى.



